الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
180
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْأُمُورِ خبر عن ( من ) الموصولة ، ولام لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ لام الابتداء التي تدخل على خبر إِنَّ وهي من لامات الابتداء . وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي : اللام ، وإنّ ، ولام الابتداء ، والوصف بالمصدر في قوله : عَزْمِ الْأُمُورِ تنويها بمضمونه ، وزيد تنويها باسم الإشارة في قوله إِنَّ ذلِكَ فصار فيه خمسة اهتمامات . والعزم : عقد النية على العمل والثبات على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات ، ومن ثمّ وصف أفضل الرسل بأولي العزم . و الْأُمُورِ : جمع أمر . والمراد به هنا : الخلال والصفات وإضافة عَزْمِ إلى الْأُمُورِ من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي من الأمور العزم . ووصف الْأُمُورِ ب ( العزم ) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى فيها ، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي الأمور العامة العازم أصحابها مجازا عقليا . والإشارة ب ذلِكَ إلى الصبر والغفران المأخوذين من صَبَرَ وَغَفَرَ والمتحملين لضمير ( من ) الموصولة فيكون صوغ المصدر مناسبا لما معه من ضمير ، والتقدير : إنّ صبره وغفره لمن عزم الأمور . وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر ، وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران ، وملاكها أن تترجّح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة . [ 44 ] [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 44 ] وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ . بعد أن حكى أصنافا من كفر المشركين ، وعنادهم وتكذيبهم ، ثم ذكّرهم بالآيات الدالة على انفراد اللّه تعالى بالإلهية وما في مطاويها من النعم وحذّرهم من الغرور بمتاع الدنيا الزائل أعقبه بقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وهو معطوف على قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 42 ] .